رواية تعبر الزمن من تل العمارنة إلى الذكاء الاصطناعي
إعداد – فريق العرب بوك
ماذا لو كانت ذَرّة تراب تعرف ما لا يعرفه المؤرخون؟ وماذا لو كان شعاع الشمس قادرًا على تذكّر وجه ملك غاب قبل آلاف السنين؟ وماذا لو خرجت مصر القديمة من صمت المقابر، لا لتروي تاريخها فحسب، بل لتحاورنا عن الحب والسلطة والذاكرة والخلود؟
من هذه الأسئلة المدهشة ينسج أحمد فضل شبلول روايته «المقبرة 55»، في تجربة سردية لا تجعل التاريخ خلفيةً للأحداث، وإنما تمنحه روحًا وصوتًا وذاكرة. هنا لا يقف القارئ أمام ملكٍ محفوظ في كتب التاريخ، بل يدخل عالمًا تتحرك فيه الأحجار، وتتكلم فيه الأشياء، ويصبح التراب شاهدًا، ويغدو الضوء ذاكرةً أخرى للزمن.
وتبدأ الحكاية من مكان بعيد عن طيبة وتل العمارنة: نيويورك. هناك تتحرر ذَرّة تراب صغيرة من حجر «زمرد»، الجوهرة التي تحملها الدكتورة منال عثمان، بعدما وافق مجلس جامعة روتشستر للتكنولوجيا على مشروع يتعلق بنسخ دماغ الحجر الكريم. وبينما يستعد «زمرد» للعودة إلى إطاره الذهبي والسفر إلى دبي، تنجح الذرّة في الإفلات من سجنها الصغير؛ فتقرر أن تستعيد حريتها على طريقتها: بالعودة إلى الماضي.
لكن أي ماضٍ تختار؟
تعود الذرّة إلى مصر القديمة، إلى زمن الأسرة الثامنة عشرة، وتجد طريقها إلى المقبرة 55، حيث يصبح التراب نفسه حاملًا لذاكرة الملك أخناتون. ومن هناك تبدأ رحلة استثنائية في الزمن؛ رحلة لا ترى فيها الذرّة التاريخ من فوق، وإنما تلامسه من داخله، فتشهد طفولة أخناتون، وصعوده إلى العرش،
وتحوله الفكري والديني، ودعوته إلى عبادة آتون، وصراعه مع كهنة آمون، وعلاقاته بأسرته ومحيطه، ثم الأفول التدريجي لمشروعه السياسي والديني.
غير أن شبلول لا يحصر رحلته في الملك والقصر. فكلما تقدمت الذرّة في الزمن، اتسعت الرؤية لتشمل تفاصيل الحياة المصرية: المعتقدات والطقوس، الولادة والرضاعة، الطعام والشراب، الملابس والزينة، العطور والأدوات، الحرف والأسواق، العمل والعملة، المقابر والجنازات، والبحث الدائم عن الحماية والخلود. وفي واحدة من أكثر مفارقات الرواية دلالة، يصبح الخبز والجعة جزءًا من تفاصيل الحياة الاقتصادية، فيما تكشف النقوش عن حكمٍ أخلاقية تتجاوز زمنها، مثل الدعوة إلى إطعام من لا يملك حقلًا حتى يبقى للإنسان «اسم طيب» في المستقبل.
وفي مقابل الذرّة، يظهر شعاع الشمس شاهدًا آخر، فتتشكل بينهما علاقة سردية تمنح الرواية بعدًا تخيليًا وفلسفيًا خاصًا. فالشعاع الذي أشرق على وجه أخناتون يرى أفول الملك، ويشهد انتقال السلطة إلى توت عنخ آمون، وعودة طيبة، وانحسار مدينة آخت آتون حتى تكاد تمحى من الوجود.
ومن هنا تتقدم الرواية نحو سؤالها الأعمق: هل يستطيع الإنسان أن ينتصر على النسيان؟ فمحو الاسم ليس مجرد إزالة كتابة من حجر، وإنما محاولة لإزالة الإنسان من الذاكرة. ولهذا يصبح القبر، والتابوت، والنقش، والتميمة، وحتى ذَرّة التراب، وسائل لمقاومة الفناء.
وفي الجانب الآخر من الزمن، تعود الرواية إلى العالم الحديث، حيث يقف «زمرد» وفكرة نسخ الوعي في مواجهة أقدم محاولة بشرية لحفظ الإنسان من الموت: الجسد المحنط، والاسم المحفور، والمقبرة التي تنتظر أن تقول شيئًا بعد آلاف السنين. وهنا تلتقي التكنولوجيا الحديثة بحلم الإنسان القديم، فيصبح السؤال واحدًا رغم اختلاف الأدوات: كيف نحفظ الإنسان حين يرحل؟
لهذا تبدو «المقبرة 55» أكثر من رواية عن أخناتون؛ إنها رواية عن الإنسان وهو يفاوض الزمن. رواية تجعل من التاريخ مادةً للحياة لا مادةً للدرس، ومن التفاصيل اليومية أبوابًا إلى عالم كامل، ومن المقبرة مكانًا للذاكرة لا للموت وحده.
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا إلى استنساخ الوعي وحفظ البيانات، تبدو العودة إلى ذَرّة تراب عمرها آلاف السنين مفارقةً شديدة المعاصرة: فربما كان المصري القديم، قبل أن نمتلك مختبرات الذكاء الاصطناعي، يعرف شيئًا جوهريًا عن الإنسان؛ أن الخلود لا يبدأ من الجسد، وإنما من الأثر الذي يتركه صاحبه في ذاكرة الآخرين.
وتأتي «المقبرة 55» الصادرة عن دار نشر مركز العرب للأبحاث والدراسات والتدريب في 206 صفحات من القطع الصغير، بسعر 150 جنيهًا داخل مصر، و10 دولارات أمريكية للبيع خارج مصر؛ لتقدم للقارئ رحلة تجمع التاريخ بالخيال، والمعرفة بالتشويق، ومصر القديمة بأسئلة الإنسان الحديث.
ابتكارات المؤلف: حين يصبح التراب بطلًا والشمس شاهدة
أبرز ابتكارات «المقبرة 55» أنها تنقل مركز الرؤية من الإنسان إلى ما يبدو هامشيًا في الكون: ذَرّة تراب وشعاع شمس. الذرّة ليست زينة فلسفية؛ إنها راوية تمتلك ذاكرة، تخاف وتحب وتراقب وتتعلم، وتنتقل بين العصور كما لو أن الزمن فضاء يمكن عبوره. أما الشعاع فليس مجرد ضوء يمر على الوجوه، بل شاهد آخر له شخصيته وحضوره وذاكرته، حتى ينشأ بينه وبين الذرّة حوار يضفي على الرواية خفةً ودهشةً ودفئًا.
والابتكار الثاني أن الكاتب لا يستخدم التاريخ خلفية جاهزة، بل يحوّله إلى مادة روائية نابضة، ويترك الشخصيات والأشياء والطقوس تتكلم من داخل عالمها. لذلك تصبح المقبرة مكانًا للحكاية، والتابوت شخصيةً صامتة، والتميمة وثيقةً حية، والنقش بابًا إلى صوت غائب، فيما يتحول الاسم نفسه إلى قضية وجود: أن تُذكر يعني أن تبقى، وأن يُمحى اسمك يعني أن يبدأ محوك من الذاكرة.
ثم تأتي المفارقة الأجمل: رواية عن مصر القديمة تستعين بأفق علمي معاصر هو استنساخ العقل والوعي، فتضع التكنولوجيا الحديثة أمام أقدم أحلام الإنسان في حفظ الجسد والروح والاسم.
وتبتكر الرواية كذلك لغةً للحوار بين كائنين لا ينتميان إلى عالم البشر، فتمنح الجماد والطبيعة حق الكلام، وتعيد توزيع البطولة بعيدًا عن مركزية الملك والبطل التقليدي. إنها رواية تجعل «الهامشي» مركزًا، و«الصامت» متكلمًا، و«الضئيل» حاملًا لذاكرة هائلة.
كلماتٌ تعبر المقبرة ولا تموت
من العبارات والأفكار اللافتة في الرواية:
«أنا ذَرّة التراب التي تغطي الصخور وتحركها وتلهمها الحكمة والصبر»؛ وفيها تلخيص لفكرة البطولة غير المألوفة.
ومنها أن الشمس ليست ضوءًا فحسب، بل منبع الحياة والسكينة والجمال.
وترد فكرة عميقة تقول إن محو الاسم محاولة لمحو أثر صاحبه من الوجود، وأن الإنسان يبقى ما دام اسمه حاضرًا في الذاكرة.
ومن وصايا الحكمة: «العلم بحر لا ساحل له»، وفيها دعوة إلى التواضع أمام المعرفة.
وتعود الرواية إلى معنى اجتماعي بسيط وعميق: «أعط الخبز لمن لا حقل له»، فتربط الخلود بالخير الذي يتركه الإنسان وراءه.
وفي موضع آخر تتجاور الحياة والموت في مشهد واحد، لتبدو المفارقة جزءًا أصيلًا من الوجود.
أما خلاصة الرحلة فتتجسد في أن المقابر لا تنتحب؛ إنها تحتفظ بالجثث والذكريات، وتسأل الأحياء عن حالهم.
إضافةٌ جديدة إلى رفوف الرواية العربية
لا تأتي أهمية «المقبرة 55» للمكتبة العربية من موضوعها التاريخي وحده، ولا من استدعائها شخصية أخناتون التي شغلت المؤرخين والروائيين والباحثين طويلًا، وإنما من الطريقة التي يعيد بها أحمد فضل شبلول ترتيب العلاقة بين الرواية والتاريخ؛ فالكاتب لا يكتفي بأن يستعير من الماضي شخصياته ووقائعه، بل يغامر بتغيير زاوية النظر نفسها، فيجعل ذَرّة تراب وشعاع شمس شاهدين على ما جرى، ويمنحهما القدرة على الرؤية والحوار والتذكر. ومن هنا تتحول الرواية إلى تجربة في توسيع مفهوم الشخصية الروائية، بحيث لا يعود الإنسان وحده مالكًا للذاكرة والحكاية.
وتزداد قيمة العمل حين نكتشف مقدار العناية التي بُذلت في بناء عالمه؛ فالرواية لا تتحرك في فراغ تخيلي، وإنما تستند إلى قائمة واسعة من المصادر والمراجع العربية والأجنبية والمترجمة حول أخناتون وديانة مصر القديمة والحياة اليومية والمقابر والطقوس والتاريخ المصري. كما استعان الكاتب بمراجعة عالم الآثار والروائي د. حسين عبدالبصيرلضبط أسماء الشخصيات والأماكن المصرية القديمة.
وهذا التزاوج بين البحث والتخيل يمنح المكتبة العربية عملًا يمكن قراءته بأكثر من مفتاح: رواية تاريخية، ورواية أفكار، وتجربة في السرد الابتكاري، وتأمل في الذاكرة والخلود، ونص يعيد مساءلة علاقة الإنسان بالموت وما يتركه وراءه. كما أن الرواية لا تحبس مصر القديمة داخل زمنها؛ فهي تضعها، بذكاء، في حوار مع أسئلة حديثة عن الوعي والتكنولوجيا والإنسان، فتجعل الماضي مرآةً للحاضر لا مجرد صورة معلقة على جدار.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تستحق «المقبرة 55» مكانًا في المكتبة العربية: لأنها تضيف إلى الرواية التاريخية العربية تجربةً لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تبحث عن طريقة جديدة لرؤيته.
روايةٌ قابلة للعبور إلى العالمية: من بوابة مصر القديمة لآفاق أرحب
إذا وصلت «المقبرة 55» إلى اللغات الأجنبية، فلن يكون رهانها على «الحضارة المصرية» وحدها، مهما كانت هذه الجاذبية كبيرة عالميًا، وإنما على قدرتها على تقديم مصر من الداخل عبر حكاية يمكن أن يفهمها القارئ في أي ثقافة: حكاية الإنسان وهو يقاوم النسيان، والسلطة وهي تحاول صناعة الذاكرة، والعاشق وهو يبحث عن الخلود، والعالِم وهو يحاول اختراق أسرار الوعي.
وتملك الرواية بالفعل عددًا من العناصر التي تمنحها قابلية واضحة للعبور الثقافي. فوجود أخناتون ونفرتيتي وتوت عنخ آمون وتل العمارنة يفتح بابًا طبيعيًا أمام القارئ العالمي المهتم بالحضارة المصرية، بينما يمنح البناء الابتكاري النص استقلاله عن المعرفة التاريخية المتخصصة. يستطيع القارئ أن يدخل الرواية من بوابة مصر القديمة، ثم يجد نفسه داخل حكاية أكبر عن الحب والموت والذاكرة والهوية.
والأكثر إثارة أن الرواية تصل الماضي بالمستقبل؛ فمن الحجر الكريم «زمرد» الذي يثير اهتمام الباحثين، إلى فكرة نسخ الدماغ والوعي، تنتقل الحكاية من المقبرة الفرعونية إلى أسئلة العلم الحديث. وهنا تصبح مصر القديمة جزءًا من حوار إنساني أوسع: هل يستطيع الإنسان أن يهزم الموت؟ وهل يمكن اختزال الإنسان في ذاكرته؟ وهل يبقى المرء حيًا إذا بقي اسمه؟
كما أن تجربة الكاتب نفسها تمنح النص فرصة حقيقية في دوائر الترجمة؛ فقد تُرجمت بالفعل بعض أعماله الشعرية ومقالاته إلى لغات عدة، كما ترجمت روايتاه «الليلة الأخيرة في حياة محمود سعيد» إلى الفرنسية والإنجليزية، و«الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ» إلى الإنجليزية.
وبذلك يمكن أن تقدم «المقبرة 55» للقارئ الأجنبي مصر لا بوصفها «أثرًا» فقط، بل بوصفها ذاكرةً حية، وأسئلةً إنسانية لا تزال تبحث عن إجابات.
خمسة عقود بين القصيدة والرواية والبحث: "التقديرية" تتويج مستحق لمسيرة شبلول
يأتي صدور «المقبرة 55» في لحظة خاصة في مسيرة أحمد فضل شبلول؛ فقد حصل الكاتب مؤخرًا على جائزة الدولة التقديرية في الآداب لعام 2026، في تتويج لمسيرة إبداعية وثقافية امتدت لنحوخمسة عقود، وبلغ إنتاجه فيها 85 كتابًا في مجالات متعددة.
ولم تأتِ الجائزة من فراغ، بل بعد سلسلة من محطات التكريم الرسمية والأدبية؛ فقد حصل شبلول على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 2007، ثم جائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2019، إلى جانب جوائز وتكريمات أخرى، وهو ما يجعل التقديرية حلقة طبيعية في مسار طويل من الحضور الأدبي.
لكن الرقم وحده لا يشرح قيمة التجربة. الأهم هو تنوع المسارات التي عبرها الكاتب. ففي الشعر أصدر أربعة عشر ديوانًا، وفي أدب الأطفال تسعة كتب، وله 25 كتابًا في الدراسات الأدبية والنقدية، فضلًا عن إحدى عشرة رواية "قبل روايتنا المقبرة 55"وفق السيرة المثبتة في الكتاب. كما خاض مجال المعاجم العربية، ومن أعماله "معجم الدهر"و"معجم أوائل الأشياء المبسط» و"معجم شعراء الطفولة في الوطن العربي".
وهذا التنوع ليس انتقالًا عشوائيًا بين أجناس الكتابة؛ إنه يكشف عن كاتب يرى الثقافة فضاءً واسعًا لا جزرًا منفصلة. فالشاعر حاضر في الرواية، والباحث حاضر خلف السرد، والناقد يراقب البناء، والمثقفيمنح العبارة قدرتها على الحركة والوصول.
ومن اللافت كذلك أن اهتمام شبلول لم يتوقف عند الأشكال التقليدية للكتابة؛ فقد انشغل مبكرًا بأدب الإنترنت والنشر الإلكتروني، إلى جانب اهتمامه بأدب الأطفال والدراسات النقدية والعمل الثقافي. وتصفه مصادر ثقافية حديثة بأنه من الأسماء البارزة التي جمعت بين الشعر والرواية والنقد وأدب الطفل والعمل الثقافي.
لذلك تبدو جائزة الدولة التقديرية في 2026 تكريمًا للتراكم لا لكتاب واحد، وللمسيرة لا للحظة. وهي، بهذا المعنى، لا تمنح شبلول مكانةً جديدة بقدر ما تعلن رسميًا عن قيمة ثقافية راكمها عبر عقود.
أما «المقبرة 55»، فتأتي في هذه اللحظة بوصفها عملًا ينسجم تمامًا مع شخصية صاحبها: كاتب لا يكتفي بأن يعرف، ولا يكتفي بأن يروي؛ وإنما يحاول أن يحوّل المعرفة إلى أدب، والتاريخ إلى حياة، والسؤال إلى حكاية.
مركز العرب: رهان على الكتاب لصناعة الوعي وترسيخ ثقافة الحوار
مركز العرب للأبحاث والدراسات والتدريب لا يقدم النشر باعتباره نهاية الكتاب، بل يراه بدايةً لحركة أوسع من المعرفة والحوار والتأثير. ومن موقعه البحثي والثقافي، تبدو مهمته المنتظرة أوسع من إصدار العناوين؛ أن يفتح نوافذ للفكر العربي، ويمنح البحث الجاد مساحة، ويحتضن الأدب والإبداع، ويسهم في صناعة وعي أكثر انفتاحًا واتزانًا، ويصل بين المعرفة الأكاديمية والثقافة والمتعة الأدبية والقارئ العام.
وتأتي قيمة المركز من قدرته على الجمع بين البحث والنشر والتدريب؛ أي بين إنتاج المعرفة، وإيصالها، وبناء الإنسان القادر على التعامل معها. وفي عالم تتسارع فيه المعلومات وتزداد فيه الحاجة إلى التحقق والفهم والحوار، يسعى المركز أن يتحول إلى منصة عربية لصناعة الكتاب الذي لا ينام على الرف، بل يتحرك في المجتمع، ويثير السؤال، ويصنع النقاش، ويمنح الثقافة دورها في مواجهة التعصب والانغلاق. وهذا ينسجم مع روح الكتاب الذي يؤكد أن الأفكار لا يكفي أن تكون صحيحة، بل تحتاج إلى مؤسسات تحملها إلى الناس وتصنع حولها وعيًا عامًا وحوارًا مستمرًا.